الصين تفرض قيودًا على المعادن النادرة.. أزمة تهدد صناعة السيارات العالمية
بعد أزمة الرقائق الإلكترونية

تشهد صناعة السيارات العالمية اضطراباً غير مسبوق بفعل أزمة تتعلق بتوريد المعادن الأرضية النادرة، وهي عناصر حيوية تستخدم في صناعة مكونات دقيقة ومتقدمة في السيارات الحديثة، من بينها المحركات الكهربائية، أنظمة التوجيه، أجهزة الاستشعار، وحتى أنظمة الصوت والإضاءة.
هذه الأزمة اندلعت إثر فرض الصين، المنتج الأكبر لهذه المعادن، قيوداً صارمة على تصديرها، مما دفع العديد من مصانع السيارات حول العالم إلى إيقاف خطوط إنتاجها، في وقت تتسابق فيه شركات السيارات والحكومات الكبرى لإيجاد حلول بديلة أو تفاهمات سياسية لتفادي تداعيات اقتصادية أوسع.

إغلاق مصانع سيارات أوروبية وتحذيرات من أزمة متفاقمة
أعلنت الرابطة الأوروبية لموردي السيارات عن إغلاق عدد من مصانع وخطوط الإنتاج في أنحاء مختلفة من أوروبا، بسبب النقص الحاد في المعادن الأرضية النادرة، وذلك بعد أن فرضت الصين قيوداً على تصدير هذه المواد منذ أبريل الماضي.
وأكدت الرابطة أن الأزمة مرشحة للتفاقم، مشيرة إلى أن السلطات الصينية وافقت فقط على ربع طلبات التراخيص المقدمة منذ بدء الأزمة، بينما تم رفض عدد كبير من الطلبات لأسباب وصفتها بأنها “إجرائية مبالغ فيها”.
وأشارت الرابطة إلى أن استمرار الوضع على ما هو عليه قد يؤدي إلى توقف المزيد من المصانع خلال الأسابيع المقبلة مع بدء نفاد المخزونات لدى الشركات الأوروبية، ما ينذر بأزمة إنتاج قد تكون أكثر حدة من أزمة الرقائق الإلكترونية التي عصفت بالقطاع قبل عامين.

خلفيات الأزمة: قرار صيني وتوترات تجارية
بدأت الأزمة في أبريل عندما قررت وزارة التجارة الصينية فرض قيود على تصدير مجموعة واسعة من المعادن الأرضية النادرة والمغناطيسات المرتبطة بها.
وجاءت هذه الخطوة في سياق الرد الصيني على رفع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب التعريفات الجمركية على المنتجات الصينية، في فصل جديد من الحرب التجارية بين واشنطن وبكين.
وتُعد الصين المنتج المسيطر على نحو 90% من هذه المعادن عالمياً، وهو ما يمنحها نفوذاً استراتيجياً في الصناعات العالمية التي تعتمد على هذه العناصر، لا سيما السيارات والطائرات وشركات أشباه الموصلات والدفاع.
نرشح لك: بنسبة 25%.. كيف تغير الرسوم الجمركية الأمريكية المشهد العالمي لصناعة السيارات؟

تداعيات فورية ومخاوف من صيف ساخن
أدى هذا القرار الصيني إلى اضطراب فوري في سلاسل التوريد، وأثر بشكل مباشر على شركات صناعة السيارات في أوروبا وآسيا والولايات المتحدة.
وارتفعت المخاوف من أن تستمر الأزمة حتى نهاية الصيف، ما قد يؤدي إلى توقف شبه كامل في إنتاج السيارات الجديدة، خاصة الكهربائية منها، التي تعتمد بشكل جوهري على هذه المعادن في محركاتها وأنظمتها الإلكترونية.
وفي تصريحات نقلتها “رويترز”، حذرت هيلديغارد موللر، رئيسة اتحاد صناعة السيارات الألماني، من أن التأخر في إصدار التراخيص الصينية وعدم وجود بدائل سريعة قد يؤدي إلى توقف الإنتاج الكامل في بعض المصانع الأوروبية، داعية إلى تحرك سياسي عاجل على مستوى الاتحاد الأوروبي.

تحركات الشركات: بحث عن بدائل ومناشدات دبلوماسية
في ظل تفاقم الأزمة، بدأت شركات السيارات الكبرى بالتحرك سريعاً للحد من آثار القيود الصينية. شركة نيسان اليابانية، على سبيل المثال، أعلنت أنها تبحث مع الحكومة ومصنعي السيارات اليابانيين عن بدائل لتوفير المعادن الضرورية.
وقال الرئيس التنفيذي للشركة، إيفان إسبينوسا، في تصريحات إعلامية: “نحتاج إلى الحفاظ على المرونة وإيجاد بدائل لتأمين مستقبل الإنتاج”.
وفي السياق ذاته، علّقت شركة “سوزوكي موتور” إنتاج طراز “سويفت” مؤقتاً بسبب نقص الإمدادات. أما في الولايات المتحدة، فقد أوقفت شركة “فورد” إنتاج طراز “إكسبلورر” في مصنعها بمدينة شيكاغو لمدة أسبوع كامل خلال مايو، لنفس الأسباب.
كما حصل عدد محدود من الموردين التابعين لثلاث شركات أمريكية كبرى، هي “جنرال موتورز”، “فورد”، و”ستيلانتيس” المصنعة لطراز “جيب”، على تراخيص تصدير مؤقتة صالحة لمدة ستة أشهر من السلطات الصينية، وفقاً لما نقلته “رويترز” عن مصادر مطلعة لم تُفصح عن هويتها.

مكونات أساسية مهددة بالتوقف في صناعة السيارات العالمية
وبحسب تحالف الابتكار في صناعة السيارات، وهو كيان يمثل كبرى الشركات العالمية مثل تويوتا، فولكس فاجن، وهيونداي، فإن الأزمة تهدد إنتاج عدد من المكونات الحيوية من بينها ناقلات الحركة الأوتوماتيكية، المولدات، المحركات، أجهزة التوجيه، أحزمة الأمان، مكبرات الصوت، والمستشعرات، وهي مكونات لا غنى عنها في أي سيارة حديثة.
وتُظهر هذه الأزمة مدى هشاشة سلاسل التوريد العالمية، خصوصاً في ظل الاعتماد الكبير على الصين لإنتاج هذه المواد التي لا تتوفر بكميات تجارية في دول أخرى، حيث أن الصين تسيطر فعلياً على 99.8% من إنتاج المعادن الأرضية النادرة الثقيلة.
مساعٍ لتقليل الاعتماد على الصين
ورغم أن العديد من الشركات بدأت بالفعل في تطوير تقنيات جديدة تقلل من استخدام المعادن النادرة، إلا أن الواقع يشير إلى أن هذه البدائل لا تزال في مراحلها الأولى.
فعلى سبيل المثال، طورت شركة “BMW” محركًا كهربائيًا خالياً من المغناطيسات النادرة في أحدث طرازاتها، إلا أنها لا تزال تستخدم هذه المعادن في محركات أصغر لمكونات مثل مساحات الزجاج أو نوافذ السيارة.
وفي هذا السياق، قال أندرياس كرول، المدير العام لشركة “نوبل إليمنتس”، المتخصصة في استيراد المعادن النادرة: “لا يوجد حل على المدى القصير. لا يمكننا تجاوز السيطرة الصينية إلا عبر اتفاق سياسي شامل”.
ضغوط دبلوماسية وتحركات دولية
تزامناً مع تصاعد الأزمة، كثفت دول مثل ألمانيا، الولايات المتحدة، والهند من ضغوطها السياسية على الصين من أجل التوصل إلى حل سريع. وفي اتصال هاتفي جمع بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، بحث الطرفان سبل تسوية النزاع التجاري، وسط تأكيدات من الطرفين على استمرار المحادثات.
لكن الشركات لا تزال متشككة في نوايا بكين، خصوصاً وأن بعض التصاريح الممنوحة تبدو مؤقتة ومحدودة، في حين أن الإجراءات البيروقراطية للحصول على تراخيص جديدة تُوصف بأنها معقدة وتستغرق وقتاً طويلاً.
نرشح لك: ارتفاع التكاليف الجمركية يدفع مرسيدس بنز إلى التخلي عن طرازاتها الاقتصادية
أزمة تكشف هشاشة الصناعة وتؤكد أهمية التنويع
تكشف أزمة المعادن الأرضية النادرة حجم الاعتماد العالمي على الصين كمصدرٍ رئيسي لمواد أساسية تدخل في صناعة السيارات الحديثة، بل وفي مجالات حيوية أخرى مثل الطيران والدفاع والتكنولوجيا. كما تبرز الأزمة أهمية تنويع مصادر التوريد وتطوير بدائل صناعية وتقنية لتقليل المخاطر المستقبلية.
وفي الوقت الذي تتسابق فيه الحكومات والشركات لإيجاد حلول قصيرة المدى، فإن الأزمة الحالية قد تكون بداية لمرحلة جديدة يُعاد فيها رسم خريطة الصناعة العالمية، ويُعاد تقييم سلاسل الإمداد وفقاً لمعايير أكثر صرامة واستقلالية. فهل تكون هذه الأزمة محفزاً للإبداع، أم إنذاراً بأزمات أشد في المستقبل؟ الوقت وحده كفيل بالإجابة.










