في مشهد لافت جمع بين الطموح الوطني والتكنولوجيا المستقبلية، رفعت المملكة العربية السعودية الستار عن أحدث رهاناتها الكبرى في مسيرة التنويع الاقتصادي؛ إذ كشفت شركة “سير السعودية” الناشئة، أمام جمهور من المسؤولين والمختصين، عن أول نموذجين كهربائيين بالكامل من تصنيعها المحلي، في خطوة تؤشر على نضج متسارع لصناعة سيارات سعودية حقيقية تسعى المملكة إلى بنائها من الصفر.

سيارة سير الكهربائية السوداء على منصة دوارة أمام الحضور خلال حفل الكشف

الإطار الجديد للكشف الأول

أطلقت “سير” يوم أمس الاثنين الموافق الحادي والعشرين من سبتمبر 2026، النقاب رسمياً عن موديلَين كهربائيَّين متكاملَين في حفل احتفالي أُقيم داخل مجمعها التصنيعي في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية بالمملكة العربية السعودية، وأعلنت في الوقت ذاته عزمها إطلاق خمسة موديلات إضافية بحلول عام 2030، وذلك في إطار الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى إرساء صناعة سيارات محلية قادرة على المنافسة وتقليص الاعتماد على النفط.

يحمل الموديلان الجديدان اسم “إكسوبوت”، ويأتيان على شكل سيدان فاخرة وسيارة دفع رباعي، وكلاهما ذو طابع مستقبلي طاغٍ تستحضر ملامحه أجواء فيلم الخيال العلمي الشهير “ترون”، حيث يتميزان بأبواب من نوع “جناح النورس” تُفتح للأعلى بدلاً من الجانب.

اقرأ أيضًا: عناوين وأماكن مراكز خدمة كايي Kaiyi في مصر بكل محافظة

ومن أبرز سماتهما التصميمية أيضاً تخليصُهما من الأعمدة الهيكلية التي تفصل عادةً بين المقاعد الأمامية والخلفية، واستعاضت الشركة عنها بمواد متطورة عالية المقاومة توفر الدعم الهيكلي اللازم. وتُخطط الشركة للبدء في طرح هذين الموديلين للبيع في السوق السعودية مطلع عام 2027.

سيارة سير الكهربائية الحمراء بأبواب جناحية مفتوحة وسائق بالزي السعودي خلال حفل الكشف

رسالة من قلب الصحراء للعالم

قال الرئيس التنفيذي لشركة “سير”، جيم ديلوكا، معلقاً على هذا الإنجاز: “أردنا أن يرى العالم ما تستطيع المملكة العربية السعودية تقديمه”، مُجسِّداً بذلك روح المبادرة التي تدفع بهذا المشروع إلى الواجهة في وقت تشهد فيه صناعة السيارات العالمية تحولات جذرية غير مسبوقة.

انطلاق في خضم عاصفة صناعية

لا تأتي خطوة “سير السعودية” في فراغ، بل تتزامن مع أعنف موجة اضطراب تشهدها صناعة السيارات العالمية منذ قرن كامل؛ إذ تُمارس صناعة السيارات الصينية ضغطاً متصاعداً على المنافسين التقليديين وتقود سباق تطوير السيارات الكهربائية عالمياً بوتيرة لم يشهدها القطاع من قبل.

وتأسست “سير” بوصفها مشروعاً مشتركاً بين صندوق الاستثمارات العامة السعودي من جهة، والشركة التايوانية العملاقة “فوكسكون” المتخصصة في التصنيع الإلكتروني بالتعاقد من جهة أخرى.

وتنعم الشركة بميزة تنافسية جوهرية تتمثل في الدعم القوي الذي تحظى به من الثروة النفطية للمملكة، غير أنها تواجه في الوقت ذاته تحديات عملية جسيمة، أبرزها الإشكاليات اللوجستية والضغوط التضخمية المترتبة على الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

متحدث على المسرح بين سيارتين كهربائيتين حمراء وسوداء خلال حفل كشف سير السعودية

إرث الإخفاقات السابقة يُلقي بظلاله

ليست هذه المرة الأولى التي تطمح فيها المملكة إلى بناء صناعة سيارات محلية، فالمحاولات السابقة منيت بالفشل واحدة تلو الأخرى.

قبل أكثر من عقد، أُسدل الستار على مقترح إنشاء مصنع لـ”جاغوار لاند روفر” على الأراضي السعودية قبل أن يرى النور، فيما أحجمت شركة تويوتا عام 2019 عن الدخول في صفقة مماثلة مستندةً إلى ارتفاع تكاليف العمالة وشح الموردين المحليين.

سير السعودية.. نهج مختلف هذه المرة

أدركت “سير” دروس الماضي جيداً، فانتهجت مقاربة أشمل وأكثر تكاملاً؛ إذ تعتمد على شبكة واسعة من الشركاء الدوليين إلى جانب منظومة توريد محلية في طور النمو المتسارع.

فعلى صعيد الشراكات التقنية، قدّمت “فوكسكون” البنية التحتية الكهربائية للموديلَين، فيما أسهمت شركة “بي إم دبليو” الألمانية في الهندسة التطويرية.

وعلى صعيد التصنيع المحلي، أقامت كبرى شركات تجهيزات السيارات العالمية مصانع لها في المملكة، من بينها الشركة الأمريكية “لير”، والكورية “شين يونغ”، والألمانية “بنتيلر”، والصينية “فانغشين”، مستجيبةً للحوافز الحكومية السعودية السخية.

سيارة سير الكهربائية الحمراء بأبواب جناح النورس المفتوحة من الأمام خلال حفل الكشف

خارطة طريق طموحة تتخطى الكهرباء

انطلقت “سير” أصلاً بهوية شركة كهربائية خالصة، لكنها أعادت رسم استراتيجيتها لتواكب تحولات الطلب في السوق؛ إذ كشف الرئيس التنفيذي ديلوكا أن التشكيلة الكاملة للشركة ستضم في نهاية المطاف نماذج هجينة قابلة للشحن وأخرى تعمل بالمحركات الاحتراقية التقليدية.

اقرأ أيضًا: أكثر 5 سيارات SUV مبيعًا في مصر وأسباب تصدرها

وبعد الإطلاق الكهربائي الراهن، ستنتقل الشركة بين عامَي 2028 و2030 إلى إطلاق خمسة موديلات للشريحة الرئيسية من السوق، وقد صُمِّمت جميعها لاستيفاء المتطلبات التنظيمية العالمية تمهيداً لتسويقها في كل أسواق العالم.

وعلى صعيد التوسع الجغرافي، تعتزم “سير” المضي بخطى محسوبة ومدروسة؛ إذ تنوي دخول الأسواق المجاورة عام 2028، قبل أن تمد نفوذها لاحقاً على امتداد دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وصولاً إلى أُفق عام 2034.

سيارة كهربائية حمراء من سير السعودية بلقطة جانبية على منصة عرض أمام الحضور

التحذير من مصير الناشئين المتعثرين

لا يجهل ديلوكا مخاطر الطريق؛ فهو يستحضر بوضوح تجارب مؤلمة لشركات ناشئة في قطاع السيارات الكهربائية أغلقت أبوابها أو تعثرت في السنوات الأخيرة، من بينها “فيسكر” و”أرايفال” و”لوردزتاون”، كما أن صانع السيارات الكهربائية الفيتنامي “فينفاست”، الذي كان هو نفسه رئيساً تنفيذياً له، يمر حالياً بمرحلة إعادة هيكلة مؤلمة عقب ضخ مليارات الدولارات في مساعي التوسع.

“يكفي خطأ واحد لإفشال أي شركة ناشئة”، قال ديلوكا بنبرة من يدرك ثقل المسؤولية، مؤكداً أن المنهجية والتروّي هما بوصلة شركته في هذا المسار.

تُمثّل “سير” وموديلاتها الكهربائية الجديدة أكثر من مجرد سيارات تُعرض في معرض؛ إنها تجسيد حي لطموح سعودي وطني عميق يتجاوز نطاق الاقتصاد ليصل إلى صميم الهوية الصناعية للمملكة.

نرشح لك: إطلاق BYD Han في معرض جدة للسيارات: فخامة الأداء الكهربائي تصل السعودية

سيارة SUV كهربائية سوداء بأبواب مفتوحة لأعلى على مسرح حفل كشف سير السعودية

وفي حين يزدحم الطريق بالعقبات — من حدة المنافسة الصينية إلى مخلفات الصراعات الإقليمية، مروراً بشبح تجارب محلية فاشلة — فإن “سير” تراهن على أن مزيجاً من الدعم الحكومي السخي، والشراكات التقنية الراسخة، وخطة توسع هادئة وواثقة، كفيل بأن يُكتب لها ما لم يُكتب لسابقاتها. السباق بدأ، والعالم يترقب.