الصين تلجأ إلى سيارات الأجرة الكهربائية لتخفيف صدمة نفط مضيق هرمز

في زمن تتشابك فيه الأزمات الجيوسياسية مع متطلبات التحول الطاقوي العالمي، تقدّم الصين نفسها نموذجاً استثنائياً لدولة نجحت في تحويل الضغط إلى فرصة.
فمنذ اندلاع الحرب على إيران وما رافقها من مخاوف جدية حول إغلاق مضيق هرمز وما تبعه من ارتفاع حادّ في أسعار الوقود، لم تُصَب المدن الصينية بالشلل المتوقع، بل شهدت على النقيض من ذلك طفرة لافتة في قطاع سيارات الأجرة والنقل التشاركي المُعتمِد على الكهرباء.
هذا التحوّل لم يكن وليد اللحظة، بل تراكم على مدى سنوات من الاستثمار الممنهج في السيارات الكهربائية، ليجد الصينيون اليوم في سيارات الأجرة الكهربائية (التاكسي الكهربائي) ملاذاً آمناً من موجة أسعار البنزين المتصاعدة، فيما يرى المحللون الدوليون في هذه المعطيات تحولاً بنيوياً عميقاً يُعيد رسم خريطة الطلب على النفط في أكبر مستهلك له في العالم.

سيارات الأجرة الكهربائية.. أرقام تروي قصة تحوّل غير مسبوق
تكشف البيانات الحكومية الصينية عن حجم التحوّل الجاري في قطاع التنقل؛ ففي مايو الماضي وحده، بلغ إجمالي رحلات التاكسي والنقل التشاركي ما يزيد على 3.05 مليار رحلة، وهو رقم يعكس نمواً بنسبة 6 بالمئة مقارنةً بالفترة ذاتها من العام الماضي منذ اندلاع الحرب على إيران في نهاية فبراير.
ولا يقتصر الأمر على الأرقام المجردة، إذ يُمثّل هذا النمو تغييراً جذرياً في سلوك المستهلك الصيني الذي بات يُفضّل ركوب سيارات الأجرة الكهربائية على قيادة سيارته الخاصة التي تعمل بالبنزين.
وتذهب توقعات منظمة “غرينبيس” إلى أبعد من ذلك، إذ تُقدّر أن 90 بالمئة من إجمالي مسافات التاكسي والنقل التشاركي ستكون كهربائية بحلول عام 2035.
سوق عمل مأزوم يضخّ سائقين جدداً يخفّضون التعرفة
خلف هذه الأرقام المتصاعدة تكمن معادلة اقتصادية مُركّبة يمكن فهمها من زاوية غير متوقعة؛ فالاقتصاد الصيني الذي يمرّ بمرحلة تباطؤ ملموس أفرز موجة من العمالة الباحثة عن مصادر دخل بديلة، فتوافد عشرات الآلاف من الراغبين في العمل نحو منصات النقل التشاركي وأسواق التاكسي، مدفوعين بسهولة الحصول على سيارات كهربائية بأسعار في متناول اليد.
وقد أسفر هذا التكدّس في العرض عن انخفاض ملحوظ في التعرفة، لم يتجاوز انعكاسه السلبي على السائقين ليتحول إلى حافز اقتصادي ضخم يجذب الركاب.
يُجسّد ذلك سائق النقل التشاركي “لي” البالغ من العمر 36 عاماً، الذي يعمل بدوام جزئي في بكين منذ ستة أشهر ويقود سيارته الكهربائية.
يقول لي لرويترز أمام إحدى محطات الشحن: “المنافسة شرسة جداً، وقد انخفضت التعرفة بنسبة تتراوح بين 10 و15 بالمئة منذ أن بدأت العمل.” أما على الجانب الآخر، فقد انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي الصينية منذ مارس الماضي مئات المنشورات التي تُوثّق شهادات مستخدمين يؤكدون أن ركوب التاكسي بات أوفر من قيادة سياراتهم الخاصة.
وتعبّر “يانغ”، ربّة منزل تبلغ من العمر 45 عاماً وتمتلك سيارة بنزين، عن هذا الواقع بشكل مباشر قائلةً: “خاصةً حين ترتفع أسعار البنزين، أفضّل أخذ التاكسي للأماكن البعيدة التي لا أستطيع الوصول إليها بالدراجة. هكذا لا أضطر لدفع تكاليف الوقود أو البحث عن موقف للسيارة.”

أسطول تاكسي يتحوّل بسرعة صاروخية نحو الكهرباء
وفقاً لبيانات وزارة النقل الصينية، يبلغ إجمالي عدد سيارات الأجرة في الصين نحو 1.3 مليون سيارة، يعمل بالكهرباء ما يقارب نصفها على المستوى الوطني، بينما تقترب هذه النسبة من 100 بالمئة في المدن الكبرى كبكين وشنغهاي وشنتشن.
وعلى صعيد النقل التشاركي، أعلنت شركة “ديدي”، المنصة الرائدة في هذا القطاع، أنها سجّلت العام الماضي انضمام مليوني سيارة هجينة وكهربائية جديدة إلى شبكتها، ليبلغ إجمالي أسطولها من السيارات غير الأحفورية 8 ملايين مركبة، تُنجز السيارات الكهربائية منها وحدها 75 بالمئة من إجمالي الكيلومترات المقطوعة.
نرشح لك: حرب إيران ترفع أسعار الوقود وتسرّع التحول للسيارات الكهربائية في آسيا

انعكاس مباشر على استهلاك الوقود وواردات النفط
يُترجَم هذا التحوّل في منظومة التنقل إلى أرقام مذهلة على مستوى استهلاك الوقود؛ إذ أحرقت الصين في مايو الماضي كميات أقل بنسبة 10 بالمئة من البنزين و14 بالمئة من الديزل مقارنةً بالشهر ذاته من العام السابق، وهو ما يستحق التوقف عنده، لأنه جاء في ظل نمو متزامن في حركة شحن البضائع عبر الطرق بنسبة 2 بالمئة، وتسجيل إجازة عيد العمال لمستويات قياسية في أعداد المسافرين.
وعلى المستوى الأشمل، تراجعت واردات الصين من النفط الخام بنسبة لافتة بلغت 41 بالمئة في يونيو الماضي مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق، وذلك دون اللجوء بشكل مكثّف إلى الاحتياطيات الاستراتيجية.
وقد أسهم هذا التراجع الضخم في تخفيف الضغط على إمدادات النفط العالمية وإبقاء سقف الأسعار العالمية تحت السيطرة في سياق أزمة تُهدد ممرات الشحن الحيوية.
شهادات من قلب التحوّل
لا تبقى هذه التحولات حبيسة الأرقام والإحصاءات، بل تتجلى في السلوك اليومي للمستهلكين الصينيين.
“زانغ”، البالغة من العمر 45 عاماً وتمتلك سيارة كهربائية هجينة، توضّح كيف تُدير استهلاكها بمرونة تامة بحسب مستويات الأسعار: “عادةً ما أقود سيارتي الهجينة في وضع البطارية حين ترتفع أسعار الوقود. ولمّا رأيت الأسعار تنخفض مؤخراً، ذهبت لأملأ خزان الوقود.” هذه المرونة السلوكية هي بالضبط ما يجعل الخبراء يتحدثون عن “تحوّل بنيوي” وليس مجرد رد فعل ظرفي.
ويُشارك “داي زونغ ليو”، مدير شرق آسيا في معهد سياسات النقل والتنمية بالصين، هذه الرؤية قائلاً: “مع ارتفاع أسعار الوقود، بات الناس يقودون سياراتهم ذات المحركات الحرارية بشكل أقل. لكن الطلب على التنقل في مجمله لا يزال في تصاعد، مما يعني أن المزيد من الرحلات تتحوّل نحو وسائل النقل العام كالتاكسي والمترو.”

هل باتت هذه التغييرات راسخة بشكل دائم؟
التساؤل الذي يشغل المحللين الاقتصاديين في الوقت الراهن هو مدى رسوخ هذه التحولات السلوكية بعد انحسار الأزمة. فقد رأى محللو “جي بي مورجان” في مذكرة تحليلية صادرة في الثاني من يوليو الجاري أن “هذا النزاع ربما عجّل بتغييرات سلوكية كانت قيد التشكّل أصلاً، تاركاً الصين أقل اعتماداً هيكلياً على النفط مما دأب السوق تاريخياً على افتراضه”.
وتتوقع المؤسسة المالية العملاقة أن يستمر الطلب الصيني على البنزين في التراجع حتى عام 2027، وإن بوتيرة أبطأ مما هو مسجّل هذا العام، إذ تُقدّر الانخفاض بنحو 50 ألف برميل يومياً العام المقبل، مقارنةً بتراجع يبلغ 150 ألف برميل يومياً في العام الحالي.
يكشف هذا التمايز الرقمي عن طبيعة التحوّل ثنائية الأبعاد: الأولى تحوّل هيكلي دائم ناجم عن الاستثمار في الكهرباء وتغيير السلوك الاستهلاكي، والثانية تحوّل ظرفي مرتبط بالأزمة الراهنة قابل للتراجع جزئياً فور عودة الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية.
الصين تُحرّر أسواق النفط من الضغط
يمتد أثر هذا التحوّل ليتجاوز الحدود الصينية. فبفضل خفض الواردات النفطية الحاد، أسهمت الصين فعلياً في تخفيف الضغط على أسواق النفط العالمية في وقت حرج تتقلّص فيه الإمدادات جراء توترات مضيق هرمز.
فعندما تنكمش الدولة المستهلكة الأولى في العالم احتياجاتها النفطية بهذا الحجم، تنعكس النتيجة مباشرةً على معادلة العرض والطلب العالمية، مما يُسهم في تهدئة الأسعار والحدّ من تداعيات الصدمة النفطية على الاقتصاد العالمي.
تقدّم الصين في هذه المرحلة الفارقة درساً بالغ الأهمية لصانعي السياسات في مختلف أنحاء العالم؛ درس يقول إن الاستثمار المُبكّر في التحوّل الطاقي ليس ترفاً بيئياً بقدر ما هو ضرورة أمن قومي وحصانة اقتصادية.
فحين ضربت أزمة هرمز أسواق الطاقة، وجدت الصين في أسطولها الكهربائي الضخم درعاً امتصّ الصدمة بدلاً من أن يتشقّق تحت وطأتها. غير أن الاختبار الحقيقي لعمق هذا التحوّل سيتجلى حين تعود أسعار الوقود إلى مستوياتها الطبيعية؛ هل سيثبت المستهلك الصيني على عاداته الجديدة، أم سيرتدّ إلى سيارته ذات المحرك الحراري؟ الإجابة ستحدد إلى حدٍّ بعيد ما إذا كانت الصين قد أعادت رسم خارطة علاقتها بالنفط إلى الأبد، أم أن العلاقة مجرد فتور مؤقت تفرضه ظروف الأزمة.












