مبيعات السيارات الصينية تواصل تراجعها للشهر الثامن.. وفولكس فاجن أمام اختبار مصيري

لم تمنح سوق السيارات الصينية أي بوادر انفراج في مايو الماضي، إذ واصلت مسيرتها التنازلية للشهر الثامن على التوالي، لتتحول إلى ما يشبه اختبار الإجهاد الحقيقي للمصنّعين الأجانب، في مقدمتهم فولكسفاغن الألمانية التي تُراهن على استعادة مكانتها عبر سيارات كهربائية طوّرتها شركاؤها الصينيون محلياً.
فوفق بيانات جمعية سيارات الركاب الصينية (CPCA) الصادرة يوم الاثنين، انخفضت المبيعات بنسبة 22.3% مقارنةً بالفترة ذاتها من العام الماضي، لتستقر عند 1.53 مليون مركبة خلال مايو وحده.
مبيعات السيارات الصينية.. أرقام تُنذر بعام صعب
تُكشف الصورة أكثر قتامةً حين يُنظر إليها في سياقها التراكمي؛ إذ تراجعت مبيعات الأشهر الخمسة الأولى من العام بنسبة 19.7% لتبلغ 7.18 مليون وحدة. وفي ضوء هذه المعطيات، رفعت الجمعية توقعاتها للتراجع السنوي الإجمالي إلى 11%، وهو تحوّل حاد للغاية قياساً بتوقعاتها السابقة التي كانت لا تتجاوز 1% فحسب.
وأرجع كوي دونغشو، الأمين العام للجمعية، هذا التراجع الحاد في المقام الأول إلى ضربة موجعة تلقّتها مبيعات سيارات البنزين جراء ارتفاع أسعار النفط المرتبط بالأزمة في الشرق الأوسط، مُبدياً في الوقت ذاته تفاؤلاً حذراً بانتعاش تدريجي في النصف الثاني من العام قد يُخفف من حدة التراجع السنوي.

هوّة واسعة بين النمو الاقتصادي ومزاج المستهلك
يكشف هذا الركود المطوّل عن فجوة متّسعة بين الأرقام الاقتصادية الكلية الصينية وما يعيشه المستهلك فعلياً على أرض الواقع. فبينما تستهدف بكين معدل نمو يتراوح بين 4.5% و5% للعام الجاري، يُشير المحللون إلى أن الطلب على السيارات تعرّض لضغوط متعددة المصادر، أبرزها تراجع ثقة المستهلك، وتقليص الدعم الحكومي، إضافةً إلى نضج السوق الطبيعي بعد سنوات من التوسع المتسارع.
وفي هذا الصدد، يقول يوجين شياو، رئيس استراتيجية الأسهم الصينية في ماكواري كابيتال: “سوق السيارات الصينية هي الأكبر عالمياً بمبيعات تتراوح بين 23 و25 مليون وحدة سنوياً، ومستويات التملّك مرتفعة نسبياً، حتى بالمقاييس الدولية، مما يعني أنها دخلت مرحلة النضج الفعلية”. ويتوقع شياو أن ينمو السوق الإجمالي بمعدلات أحادية الرقم على مدى السنوات الخمس إلى العشر المقبلة.
وفي السياق ذاته، أعلن ويليام لي، الرئيس التنفيذي لشركة NIO، الشهر الماضي أن صناعة السيارات الصينية تجاوزت على الأرجح “عصرها الذهبي”، في إشارة إلى تباطؤ الطلب المحلي رغم استمرار قوة الصادرات.

السيارات الكهربائية تتعثّر هي الأخرى
لم تنجُ السيارات الكهربائية والهجينة القابلة للشحن من عدوى التراجع، فقد انخفضت مبيعاتها بنسبة 7.5% مقارنةً بمايو 2025، في خامس تراجع شهري متواصل لهذه الفئة التي باتت تمثّل 62.2% من إجمالي مبيعات السوق. غير أن هذه الفئة لا تزال تتفوق على أداء السوق الكلّي، وهو ما يُبقي على الزخم النسبي لصانعي السيارات الكهربائية مقارنةً بمنافسيهم التقليديين.
في المقابل، تواصل الصادرات الكهربائية الصينية اندفاعها نحو الخارج، إذ قفزت مبيعات السيارات الكهربائية والهجينة في الأسواق الدولية بنسبة مذهلة بلغت 112.6% في مايو على أساس سنوي، متجاوزةً نمو صادرات السيارات الإجمالية البالغ 74.7%.

فولكس فاجن.. نموذج للتحوّل تحت الضغط
يتجلى الضغط على المصنّعين الأجانب بأوضح صوره في تجربة فولكس فاجن، التي تبرز بوصفها الحالة الأكثر دلالةً في هذه المرحلة الحرجة. فالمجموعة الألمانية التي طالما احتلّت مكانة القائد التاريخي في السوق الصينية، باتت أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على إعادة تموضعها في عصر السيارات الكهربائية.
ولتحقيق ذلك، انتهجت فولكسفاغن استراتيجية أكثر جرأةً تعتمد على الشراكات والموردين المحليين بشكل متصاعد، وفي مقدمتها التعاون اللافت مع شركة شياو بنغ (Xpeng)، الذي يهدف إلى ردم الفجوة التقنية مع الماركات الكهربائية المحلية في مجالات بالغة الأهمية، كالمقاعد الذكية ونظم مساعدة السائق المتطورة وهندسة المركبات المعرَّفة بالبرمجيات.
نرشح لك: فولكس فاجن تواجه تحديات كبيرة في سوق السيارات الكهربائية بالصين

رهان الشراكة أمام تحديات التوزيع
بيد أن إطلاق أولى نماذج التعاون بين فولكسفاغن وشياو بنغ كشف بدوره عن تحدٍّ توزيعي هيكلي بالغ التعقيد، إذ يتعين على المصنّعين الأجانب بناء شبكات بيع لمركباتهم الكهربائية الجديدة في الوقت الذي لا يزالون يتكئون فيه على شبكات الوكلاء التقليدية التي تشغّل محركات الاحتراق الداخلي.
ويُحذّر بيل روسو، الرئيس التنفيذي لشركة الاستشارات Automobility ومقرها شنغهاي، من أن الفصل بين عمليات البيع الكهربائي وشبكات التوزيع القديمة قد يكون منطقياً استراتيجياً، لكنه ينطوي في التطبيق على مخاطر جدية تتعلق باتساق الهوية التجارية، واستقطاب العملاء، وما بعد البيع، وحجم شبكة التجزئة. ويُلخّص روسو الإشكالية بقوله: “شركات التصنيع التقليدية التي تسعى إلى بناء هياكل بيع كهربائية موازية غالباً ما تصطدم بتشرذم تنظيمي وبطء في الاستجابة للسوق”.
يُجسّد مشهد السوق الصينية اليوم تقاطعاً نادراً بين ضغوط هيكلية وعوامل طارئة؛ فالتضخم المُغذَّى بأزمة الشرق الأوسط، وتراجع ثقة المستهلك، ونضج السوق، تتضافر معاً في تشكيل ظروف استثنائية تستدعي من المصنّعين -المحليين قبل الأجانب- إعادة رسم استراتيجياتهم بعيون مختلفة.
ومع توقعات بتعافٍ تدريجي في النصف الثاني من العام، تبقى السوق الصينية ساحةً مفتوحة على كل الاحتمالات، غير أن حجم الرهانات الذي تضعه عليها كبرى شركات السيارات العالمية لا يحتمل كثيراً من المغامرة.





