من الوقود إلى الإطارات.. الحرب الإيرانية تدفع موجة غلاء عالمية واسعة

بدأت تداعيات الحرب الإيرانية تتجاوز تأثيرها على أسعار الوقود لتطال مجموعة واسعة من المنتجات الاستهلاكية والصناعية، من مواد التنظيف المنزلية إلى إطارات السيارات وأعلاف الحيوانات.
وفي هذا السياق، أعلنت شركات كيميائية كبرى في أوروبا عن زيادات سعرية كبيرة بسبب النقص وارتفاع تكاليف المواد الخام الكيميائية، مما سينعكس حتماً على المستهلك النهائي.
وقد ظهر التأثير بشكل أسرع في آسيا، التي تعتمد بشكل كبير على المكونات الأساسية من الشرق الأوسط، بينما بدأت الاضطرابات الآن تصل إلى أوروبا أيضاً.
يستعرض هذا التقرير تفاصيل هذه الزيادات السعرية، وتأثيراتها المتوقعة على مختلف القطاعات والمستهلكين، وكيف تتعامل الشركات مع هذه التحديات الجديدة في سلسلة التوريد العالمية.

كيف أشعلت الحرب الإيرانية موجة الغلاء العالمية؟
أدى اندلاع الحرب الإيرانية إلى سلسلة من التداعيات الاقتصادية العالمية التي تجاوزت بكثير حدود المنطقة. بدأت الأزمة بارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز، وهما المواد الخام الأساسية للصناعات الكيميائية ومصادر رئيسية للطاقة العالمية.
وتزامن ذلك مع اضطرابات كبيرة في طرق الشحن البحري، خاصة في منطقة الخليج وهرمز، مما أدى إلى تأخير الشحنات وارتفاع تكاليف النقل بشكل كبير.
ظهر التأثير سريعاً في آسيا التي تعتمد مصانعها الكيميائية بشدة على المكونات الأساسية المستوردة من الشرق الأوسط، حيث بدأت المخزونات السابقة تنفد بعد نحو 18 يوماً من بدء الصراع.
ثم انتقلت الموجة تدريجياً إلى أوروبا، حيث أعلنت شركات كيميائية عملاقة مثل “باسف” و”لانكسيس” عن زيادات سعرية قياسية تراوحت بين 30% و50% لمكونات تدخل في صناعة منتجات يومية متنوعة.
المنتجات المتأثرة تشمل مدخلات إنتاج المنظفات المنزلية والصناعية، ومكونات إطارات السيارات، والميثيونين المستخدم في تغذية الحيوانات.
هذا يعني أن المستهلكين سيشعرون بتداعيات الحرب ليس فقط عند محطات الوقود، بل أيضاً عند شراء منتجات التنظيف، وإطارات السيارات، والمنتجات الغذائية مثل اللحوم ومنتجات الألبان.
وتفاقمت الأزمة مع تخفيض الإنتاج في مصانع الأمونيا في أوروبا إلى الحد الأدنى التقني (85%)، مما أثر على إنتاج الأسمدة في دول مثل ألمانيا وسلوفاكيا. حتى شركات البناء مثل “هايدلبيرج ماتيريالز” اضطرت لإضافة رسوم إضافية مؤقتة على منتجاتها لتعويض ارتفاع تكاليف النقل.
ما نشهده هو تأثير الدومينو الكلاسيكي في الاقتصاد العالمي المترابط، حيث أن اضطراباً في منطقة جغرافية واحدة وقطاع محدد (الطاقة والشحن) يتسبب في موجة من الزيادات السعرية تنتشر عبر سلاسل التوريد العالمية لتطال منتجات متنوعة يستخدمها المستهلكون في حياتهم اليومية.

شركات الكيماويات الأوروبية ترفع الأسعار بنسب كبيرة
أعلنت شركات الكيماويات الأوروبية الرائدة “باسف” (BASF) و”لانكسيس” (Lanxess) عن زيادات سعرية كبيرة استجابةً للنقص وارتفاع تكاليف المواد الخام الكيميائية. وتدخل هذه المواد في تصنيع مجموعة واسعة من المنظفات المنزلية والصناعية، والطلاءات، وإطارات السيارات.
صرحت شركة باسف، التي تعد شركات مثل يونيليفر (صانعة دوميستوس) وهينكل (صانعة بيرسيل) من عملائها، يوم الأربعاء (18 مارس) أن أسعار مجموعة منتجاتها المخصصة للمنظفات والمنتجات الصناعية سترتفع بنسبة 30% أو أكثر.
بينما أعلنت شركة لانكسيس أنها سترفع أسعار مدخلات إنتاج الإطارات بنسبة 50% وأكثر، لتعويض ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الخام، فضلاً عن تكاليف النقل واللوجستيات.
تأثير الصراع في الشرق الأوسط على الصناعات الكيميائية
أدى الصراع في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وهما المواد الخام الأساسية لصناعة الكيماويات، فضلاً عن كونهما مصدرين رئيسيين للطاقة.
وبالاقتران مع الاضطرابات التي طالت طرق الشحن العالمية، من المتوقع أن تعمّق الحرب التحديات التي يواجهها قطاع يعاني بالفعل من صعوبات، وفقاً لتحذيرات أصدرها اتحاد الصناعات الكيميائية الألماني (VCI) ونقابة IGBCE الأسبوع الماضي.
صرحت شركة إيفونيك إندستريز (Evonik Industries)، وهي شركة كيميائية تنتج أكثر من 9000 منتج، بأنها تسعى لنقل زيادات الأسعار. وبالنسبة للميثيونين المستخدم في تغذية الحيوانات، رفعت الشركة الأسعار بنسبة 10% هذا الشهر، قبل أن تعلن حالة القوة القاهرة في أحد مصانعها في سنغافورة.
ومن المرجح أن تنتقل هذه الزيادات إلى مربي الدواجن والأبقار في جميع أنحاء العالم.
نرشح لك: أزمة جديدة لصناعة السيارات.. توترات الشرق الأوسط تهدد إمدادات الألومنيوم والبلاستيك

الحرب الإيرانية.. الفرق بين التأثير في آسيا وأوروبا
قال فيليب جورتس، المحلل المتخصص في الكيماويات في بلومبرج نيف (BloombergNEF): “ستقوم شركات كيميائية أخرى في أوروبا أيضاً برفع أسعارها. آسيا على وشك مواجهة نقص حاد في الإمدادات لم يظهر بالكامل بعد، حيث أن الشحنات السابقة تنفد الآن فقط بعد حوالي 18 يوماً من بدء الحرب.”
كان التأثير أكثر فورية في آسيا، حيث تعتمد المصانع الكيميائية بشكل كبير على المكونات الأساسية من الشرق الأوسط. والآن بدأت الاضطرابات تصل إلى أوروبا أيضاً.
تم تخفيض الإنتاج في مصانع الأمونيا التابعة لشركة أجروفيرت (Agrofert) إلى الحد الأدنى الفني البالغ 85% في جميع أنحاء أوروبا، مما يؤثر على منتجي الأسمدة الرئيسيين في دول مثل ألمانيا وسلوفاكيا.
شركات البناء تنضم إلى موجة رفع الأسعار
بالإضافة إلى شركات الكيماويات، تخطط شركات إنتاجية أخرى مثل “هايدلبيرج ماتيريالز” (Heidelberg Materials) لرفع الأسعار للتخفيف من آثار التكاليف المتصاعدة.
قال الرئيس التنفيذي للشركة، دومينيك فون آختن، في مقابلة مع تلفزيون بلومبرج: “نرى بعض التضخم في تكاليف النقل – ولهذا السبب علينا أيضاً تحذير عملائنا من أن الأسعار سترتفع.”
ستضيف شركة مواد البناء الألمانية المنتجة للإسمنت ومنتجات أخرى رسوماً إضافية مؤقتة، في الوقت الحالي، بدلاً من زيادات عامة في الأسعار.
وأضاف فون آختن: “إذا استمر هذا الوضع لفترة أطول، فستتراكم الأمور. لقد تعلمنا من أزمات الماضي وعلينا التصرف بسرعة.”

تأثير الحرب الإيرانية على قطاع الشحن والإمدادات
يمثل الاضطراب في طرق الشحن العالمية عاملاً رئيسياً في زيادة التكاليف. وقد أدى الصراع في الشرق الأوسط إلى تعطيل مسارات الشحن الحيوية، مما تسبب في تأخيرات وزيادة تكاليف النقل البحري.
هذه الاضطرابات تؤثر بشكل خاص على سلاسل التوريد للمواد الكيميائية والمكونات الأساسية التي تعتمد عليها الصناعات في مختلف أنحاء العالم. وتتفاقم المشكلة بسبب اعتماد العديد من المصانع الآسيوية بشكل كبير على المكونات القادمة من منطقة الشرق الأوسط.
ومع استمرار الصراع، من المتوقع أن تتعمق هذه التحديات اللوجستية، مما قد يؤدي إلى مزيد من الارتفاع في الأسعار ونقص في بعض المنتجات.
التأثير على المستهلكين والأسواق
مع ارتفاع أسعار المواد الخام والمكونات الأساسية، من المتوقع أن تنتقل هذه الزيادات إلى المستهلك النهائي. سيشعر المستهلكون بارتفاع أسعار مجموعة واسعة من المنتجات، بدءاً من مواد التنظيف المنزلية مثل المنظفات والمطهرات، وصولاً إلى إطارات السيارات والمنتجات الصناعية الأخرى.
كما ستتأثر صناعة الثروة الحيوانية عالمياً، مع ارتفاع تكاليف الأعلاف نتيجة زيادة أسعار المكونات مثل الميثيونين. هذا بدوره قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار اللحوم ومنتجات الألبان على المدى المتوسط.
وتشير التقديرات إلى أن هذه الزيادات السعرية قد تكون أكثر حدة في الأسواق الآسيوية، نظراً لاعتمادها الكبير على المواد الخام والمكونات من الشرق الأوسط، ولكنها ستمتد تدريجياً لتشمل الأسواق الأوروبية والعالمية.
نرشح لك: سلاسل توريد السيارات تحت ضغط حرب إيران.. ما أبرز المسارات والمكوّنات المهددة؟

استراتيجيات الشركات للتعامل مع الأزمة بسبب الحرب الإيرانية
تتبنى الشركات استراتيجيات مختلفة للتعامل مع هذه التحديات، تتراوح بين:
- نقل زيادات التكاليف مباشرة إلى المستهلكين من خلال رفع الأسعار
- فرض رسوم إضافية مؤقتة بدلاً من زيادات دائمة في الأسعار
- إعلان حالة القوة القاهرة في بعض المنشآت الإنتاجية
- البحث عن مصادر بديلة للمواد الخام والمكونات الأساسية
- تعديل العمليات الإنتاجية لتعمل بمستويات أقل من القدرة القصوى
وقد أشار العديد من المسؤولين التنفيذيين إلى أهمية الاستجابة السريعة والتعلم من أزمات الماضي للتخفيف من حدة التأثير على عملياتهم وعملائهم.
تكشف صدمة الأسعار الناجمة عن الحرب الإيرانية عن هشاشة سلاسل التوريد العالمية وترابط الاقتصاد العالمي.
فما بدأ كصراع إقليمي في الشرق الأوسط أصبح الآن يؤثر على أسعار المنتجات اليومية في مختلف أنحاء العالم، من المنظفات المنزلية إلى إطارات السيارات وأعلاف الحيوانات.
مع استمرار الصراع وتعمق تأثيراته على أسعار الطاقة وطرق الشحن العالمية، من المرجح أن تستمر هذه الضغوط التضخمية في الأشهر المقبلة. وسيتطلب الأمر من الشركات والمستهلكين على حد سواء التكيف مع هذا الواقع الجديد.
تظهر هذه الأزمة أيضاً الحاجة إلى تنويع مصادر المواد الخام وسلاسل التوريد، وتطوير بدائل أكثر استدامة واستقراراً على المدى الطويل.
وبينما تتعامل الشركات مع هذه التحديات الفورية، فإن القدرة على بناء مرونة أكبر في عملياتها ستكون عاملاً حاسماً في نجاحها المستقبلي في عالم يزداد تقلباً.










