صناعة السيارات الأمريكية تتجه لاستبدال المكونات الصينية

في مدينة سولون جنوب كليفلاند، تقبع منشأة صناعية لا تلفت الأنظار من الخارج، غير أنها باتت تمثّل اليوم أحد أبرز معاقل التحوّل العميق الذي تشهده سلاسل توريد صناعة السيارات الأمريكية.
هذه المنشأة تعود لشركة “إيجل وايرلس” لتصنيع الإلكترونيات، التي تأسست في أواخر عام 2025 استجابةً مباشرة لقرار فيدرالي يحظر استخدام البرامج والأجهزة الصينية المرتبطة بالاتصال اللاسلكي في السيارات الأمريكية بحلول نهاية العقد الجاري.
ومن هذه المنشأة الناشئة، يبدأ مسار إعادة رسم خارطة التوريد التقني لأضخم صناعة في العالم.

صناعة السيارات الأمريكية.. لوائح بايدن تبقى نافذة في عهد ترامب
صدرت قواعد الاتصال بالسيارات الموصولة في يناير 2025 في عهد الرئيس جو بايدن، استناداً إلى مخاوف الأمن القومي المتعلقة بخصوصية البيانات، وقد أبقت عليها إدارة ترامب دون تعديل، مما يعكس إجماعاً نادراً بين الإدارتين على هذا الملف.
وتحظر هذه القواعد استخدام البرمجيات الصينية في مركبات موديل 2027 فما بعد، فيما يمتد الحظر ليشمل الأجهزة بدءاً من موديل 2030.
وعلى الرغم من أن هذه المواعيد قد تبدو بعيدة، فإن دورات تطوير السيارات تمتد لسنوات، مما يجعل الأمر مُلحّاً بالنسبة لصانعي السيارات لإقرار مورديهم البديلين على الفور.
وقد ازدادت المخاوف الصناعية حدةً بعد أن أُدرج صانع السيارات الكهربائية “بولستار”، المملوك في غالبيته للمجموعة الصينية جيلي هولدينج، ضمن الكيانات المحظورة من بيع مركبات جديدة في السوق الأمريكية بموجب هذه اللوائح خلال الشهر الماضي.

وحدات الاتصال اللاسلكي: ميدان المعركة الحقيقي
تتمحور المعركة التقنية حول ما يُعرف بـ”وحدات الاتصال” أو modules، وهي بطاقات إلكترونية صغيرة تمثّل العمود الفقري لاتصال السيارات الحديثة بالشبكات الخارجية.
وتهيمن الشركات الصينية على ما يقرب من نصف شحنات هذه الوحدات على مستوى العالم وفق بيانات شركة “كاونترپوينت ريسيرش” للاستخبارات السوقية، مما يجعل إيجاد بدائل غير صينية تحدياً هيكلياً بامتياز.
وتُشير اللوائح الفيدرالية إلى طائفة واسعة من المكوّنات المتأثرة، تشمل أنظمة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، والهوائيات الخارجية، وسائر وحدات التحكم الدقيقة التي تتيح للسيارة التواصل مع العالم الخارجي، وفق ما أوضحه مات ويكهاوس، الرئيس التنفيذي لشركة الأمن السيبراني “فاينايت ستيت” ومستشار شركة إيجل وايرلس.

إيجل وايرلس: من الصفر إلى مئة مليون دولار في عام واحد
انطلقت إيجل وايرلس بنحو 140 موظفاً، وتسعى اليوم إلى مضاعفة كوادرها لتبلغ ألف موظف خلال السنوات الثلاث القادمة. وقد قفزت توقعات إيراداتها بنسبة تجاوزت 100% خلال العام الجاري وحده، لتقترب من عتبة المئة مليون دولار.
وعلى خط الإنتاج، تتراص الآلات التي ترتب ملفات المكوّنات وتضعها على بطاقات إلكترونية تمر عبر فرن يعمل عند 500 درجة فهرنهايت، قبل أن تُنقش بأرقام تسلسلية، وتخضع لفحص الجودة، وتُعبَّأ بأذرع روبوتية.
“لقد كان الأمر جنونياً”، قال تيجي دمبينسكي، رئيس الشركة، واصفاً الوتيرة المتسارعة لنمو الطلب. ويستهدف المصنع بلوغ معدّل إنتاج سنوي يناهز مليوني وحدة بنهاية الربع الثالث من العام الجاري، فيما ستتجاوز طاقة المنشأة الجديدة المخطط لها هذا السقف.

الفجوة في التكلفة: تحدٍّ لا يمكن تجاهله
لا تخلو هذه العملية من أثمان باهظة. يُشير مسؤولون في قطاع التوريد إلى أن التحول بعيداً عن الموردين الصينيين يعني عادةً ارتفاعاً ملموساً في التكاليف.
وكشف مسؤول سابق رفيع في صناعة ديترويت أنه حين قارن تكلفة نظام قيادة ذاتية غير صيني بنظيره الصيني المتضمن لأجهزة LiDAR، صُعق من حجم الفارق السعري.
أما إيجل وايرلس فتقرّ بأن فجوة التكلفة بين منتجاتها ونظيراتها الصينية تتراوح بين 5% و15%، وهي تعمل جاهدةً على ردمها تدريجياً.
وتُلقي هذه التحولات بأعباء لوجستية إضافية على عاتق المصنّعين؛ إذ باتت شركات السيارات تطالب بمزيد من الشفافية حول سلاسل التوريد بأكملها للتثبت من خلوّها من أي مكوّنات صينية قد تتعارض مع اللوائح الفيدرالية.
وقالت هيلاري كين، نائبة رئيسة السياسات في تحالف الابتكار في صناعة السيارات الذي يمثّل كبرى شركات القطاع، إن هذه اللوائح “تستوجب فحصاً معمّقاً لسلاسل التوريد والتزاماً بجداول زمنية صارمة للامتثال”.
تباين المواقف: بين الشركات الناشئة والعمالقة التقليديين
لا يواجه جميع صانعي السيارات هذا التحدي بالدرجة ذاتها. فالشركات الناشئة كـ”ريفيان” ترى أنها في موقع أفضل للامتثال قياساً بالعمالقة التقليديين، نظراً لمرونتها الأكبر في تغيير الموردين أو تطوير مكوّناتها الخاصة.
وأوضح واصيم بنسعيد، المسؤول التقني لدى ريفيان، أنه يتعمّد انتقاء الموردين بعناية شديدة مع الاحتفاظ دائماً ببدائل جاهزة لمواجهة أي اضطرابات جيوسياسية.
في المقابل، تلجأ شركات مثل فورد إلى طلب استثناءات رسمية للاستمرار في استيراد بعض النماذج المصنّعة في الصين، فيما حصلت فولفو كارز، المملوكة هي الأخرى لجيلي، على واحدة من أولى موافقات الاستثناء.

فخ الاعتماد المتبادل: ترخيص التكنولوجيا سلاح ذو حدّين
تنتهج إيجل وايرلس ذاتها استراتيجية أثارت جدلاً واسعاً؛ إذ بدأت عملها بترخيص تصميم وحداتها من الشركة الصينية “كويكتل وايرلس سولوشنز”، الرائدة العالمية في هذا المجال، وهي مجبرة على الإحلال الكامل لهذا التصميم بتقنيتها المستقلة قبل موعد الحظر النهائي عام 2030.
يقول جويل يونغ، المسؤول التقني في الشركة: “أحتاج إلى توظيف مزيد من المهندسين، وسنستثمر كل الأدوات المتاحة لنا”.
وهذا النهج ليس حكراً على إيجل، فشركة فورد تُرخّص تقنية البطاريات من العملاق الصيني CATL لإنتاج بطارياتها في الولايات المتحدة.
وترى إيلاريا ماتسوكو، نائبة المدير في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن هذا التوجه يحمل في طياته مخاطرة مزدوجة: “قد تجد نفسك أمام اعتماد أعمق على الصين من خلال هذه الشراكات، وقد تكون في الوقت ذاته الطريق الوحيد لاكتساب الخبرة في بيئة تنافسية متصاعدة، ما قد يقودك في نهاية المطاف إلى استقلالية أكبر”.
نرشح لك: مجلس الشيوخ الأمريكي يستعد لتشديد حظر السيارات الصينية

سباق مفتوح بين الضرورة والواقع
تكشف تجربة إيجل وايرلس ومن حولها من شركات التوريد الناشئة أن صناعة السيارات الأمريكية لا تواجه خيار التحوّل بمفارقة الصين بل تُقرّ به كأمر واقع لا مناص منه.
غير أن المسافة بين الإقرار والتنفيذ الكامل لا تزال بعيدة المنال؛ فالتكاليف المرتفعة، وتعقيد سلاسل التوريد، وضيق الأطر الزمنية، جميعها تجعل هذا التحوّل أشبه بعملية جراحية دقيقة في قلب آلة تعمل بكامل طاقتها. والسباق الحقيقي لم يبدأ بعد.












