الاتحاد الأوروبي يقدم بديلاً للرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية
من خلال نظام حد أدنى للأسعار

في تحول استراتيجي لافت، وجد الاتحاد الأوروبي طريقة للحفاظ على استقرار سوق السيارات الكهربائية الصينية دون إغراق الأسواق بالمركبات الصينية منخفضة التكلفة.
أصدرت المفوضية الأوروبية في 12 يناير 2026 وثيقة إرشادية تسمح لصانعي السيارات بتقديم تعهدات سعرية تشمل “الحد الأدنى لسعر الاستيراد وقنوات المبيعات والتعويض المتبادل والاستثمارات المستقبلية في الاتحاد الأوروبي”، في خطوة تهدف إلى استبدال الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضت سابقاً على واردات السيارات الكهربائية الصينية.
خلفية النزاع التجاري
كان الاتحاد الأوروبي قد فرض في أكتوبر 2024 رسوماً جمركية تتراوح بين 7.8% و35.3% على واردات السيارات الكهربائية الصينية لمواجهة ما أسماه “الدعم غير العادل”.
ردت بكين بالضغط لاستبدال هذه الرسوم بنظام الحد الأدنى للأسعار، كما تقدمت بشكوى إلى منظمة التجارة العالمية في نوفمبر 2024 احتجاجاً على الرسوم المفروضة.
يأتي هذا التحول في موقف الاتحاد الأوروبي نحو التعاون في وقت تستمر فيه الصادرات الصينية بالزيادة رغم الرسوم الجمركية الغربية، ما يشير إلى تغير في الاستراتيجية الأوروبية لتجنب حرب تجارية شاملة.
نرشح لك: التداعيات وراء فرض الاتحاد الأوروبي رسومًا على السيارات الكهربائية الصينية

نظام الحد الأدنى للأسعار
ستتم تقييم كل طراز سيارة على أساس كل حالة على حدة، مما يوفر مرونة أكبر في التعامل مع مختلف المصنعين والطرازات. وصفت وزارة التجارة الصينية في 12 يناير استراتيجية تحديد الحد الأدنى للأسعار بأنها “أكثر عملية واستهدافاً واتساقاً مع قواعد منظمة التجارة العالمية”.
يوفر الموقف الأكثر مرونة من الاتحاد الأوروبي راحة ليس فقط لصانعي السيارات الصينيين مثل BYD وXpeng وNio، ولكن أيضاً للعلامات التجارية الألمانية مثل BMW وفولكس فاجن، التي لديها قدرات إنتاجية كبيرة في الصين. وكانت فولكس فاجن قد قدمت أول “عرض ذي معنى” بشأن تعهد سعري في ديسمبر، وفقاً لما صرح به المتحدث باسم المفوضية الأوروبية أولوف غيل لصحيفة نيويورك تايمز.
تأثيرات على المستهلكين والاقتصاد
من المرجح ألا يشهد المستهلكون تغييراً كبيراً في أسعار السيارات الكهربائية، حيث يرغب الاتحاد الأوروبي في أن تقوم الشركات المصنعة بسد فجوة الدعم، أو مطابقة سعر سيارة أوروبية مماثلة. لكن هذا التحول يأتي بتكاليفه الخاصة.
وفقاً للخبراء في مركز أبحاث السياسة الاقتصادية، وهي منظمة غير ربحية مستقلة، فإن هذه البادرة الودية تعد “خياراً سياسياً سيئاً” للأسباب التالية:
- يبقي الحد الأدنى للسعر أسعار المستهلكين مرتفعة بشكل مصطنع، مما ينقل الدخل بشكل فعال من المستهلكين الأوروبيين إلى المنتجين الصينيين.
- سيؤدي إلى القضاء على 2 مليار يورو من إيرادات الرسوم السنوية، مما يمثل خسارة مالية مباشرة.
- تنفيذ الحد الأدنى للسعر أكثر تعقيداً وأكثر عرضة للنزاعات أو التحايل.
نرشح لك: هونشي الصينية تستعد لمنافسة العلامات الفاخرة في أوروبا بحلول 2028

وأشار الخبراء إلى أن “الشركات الصينية تفضل بوضوح نظاماً يرفع أسعار صادراتها بدلاً من نظام يفرض ضرائب عليها”.
يمثل هذا التحول في سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه واردات السيارات الكهربائية الصينية نهجاً براغماتياً يسعى للموازنة بين حماية الصناعة الأوروبية وتجنب التصعيد في العلاقات التجارية مع الصين.
تشكيك في فعالية آلية الحد الأدنى للأسعار: هل تكبح المنافسة الصينية فعلاً؟
صرّح فرديناند دودنهوفر، الخبير الألماني البارز في شؤون صناعة السيارات ورئيس معهد أبحاث السيارات، بأن هذه الآلية قد لا تكون كافية لاحتواء التوسع الصيني في السوق الأوروبية.
وأشار دودنهوفر إلى أن الدعم الحكومي الذي تقدمه بكين لشركاتها المصنعة يمنحها ميزة تنافسية تُقدّر بنحو 20% مقارنة بالمصنعين الأوروبيين، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى فرض رسوم جمركية تتراوح بين 7.8% و35.3%، تختلف حسب الشركة المصنعة ومستوى الدعم الذي تتلقاه.
لكن تداعيات هذه الرسوم لم تقتصر على الشركات الصينية فقط، بل امتدت لتشمل علامات تجارية أوروبية وأميركية تُنتج سياراتها داخل الصين، مثل بعض طرازات شركات ألمانية كبرى، ما أثار ردود فعل متباينة داخل الأوساط الصناعية الأوروبية.
وفي خطوة مضادة، أعلنت الحكومة الصينية عن فرض رسوم انتقامية على عدد من السلع الأوروبية، شملت المشروبات الروحية، لحوم الخنزير، ومنتجات الألبان، في إشارة واضحة إلى أن النزاع التجاري بين الطرفين قد يتسع ليشمل قطاعات اقتصادية أخرى خارج نطاق صناعة السيارات.
هذا التصعيد المتبادل يسلط الضوء على هشاشة التفاهمات التجارية بين القوتين، ويطرح تساؤلات حول مدى قدرة آليات التسعير وحدها على تحقيق التوازن في سوق يشهد تحولات تكنولوجية واستراتيجية متسارعة.
بينما يبدو هذا النهج أكثر دبلوماسية من الرسوم الجمركية المرتفعة، إلا أن هناك مخاوف حقيقية بشأن تأثيره على المستهلكين الأوروبيين وإيرادات الاتحاد، وتبقى فعالية هذا النظام الجديد رهناً بالتنفيذ والامتثال من جميع الأطراف المعنية.
مع استمرار نمو سوق السيارات الكهربائية العالمي، ستظل العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والصين محور اهتمام صناعة السيارات العالمية في السنوات القادمة.










