مسلسل فشل سيارات شاومي من الحريق إلى الغرق إلى التحليق فوق تلة

لم يكن دخول شاومي إلى عالم السيارات الكهربائية حدثًا عابرًا.
الشركة التي صنعت اسمها في سوق الهواتف الذكية قررت أن تنافس في ميدان أكثر تعقيدًا وحساسية: ميدان يرتبط فيه الابتكار بالسلامة، وتتحدد فيه ثقة المستهلك بقرار قد يلامس حياته حرفيًا.
ومع إطلاق Xiaomi SU7 باعتبارها أول خطوة جادة في هذا الاتجاه، بدا أن شاومي تراهن على خليط من التصميم العصري والبرمجيات المتقدمة وأنظمة مساعدة السائق لتختصر سنوات من الخبرة التي راكمتها شركات السيارات التقليدية.
لكن ما إن بدأت السيارة تنتشر على الطرق الصينية حتى تصاعدت سلسلة من الوقائع التي وضعت المشروع تحت ضوء قاسٍ: سيارة “تحلّق” فوق تلة ترابية على طريق سريع بعد تعطل الاستجابة النشطة، حادث “ركن ذكي” كاد ينتهي بغرق، حوادث حريق تتكرر حول أسبابها، وملف آخر أكثر إرباكًا يرتبط بتصميم مقابض الأبواب المخفية.
وبين كل حادث وآخر، تتسع الأسئلة حول مدى نضج المنظومة التقنية، وكيف تُدار لحظات الخطر عندما تلتقي البرمجيات مع واقع الطريق.

التحليق فوق التلة.. عندما لا يرى النظام ما يراه الطريق
أحدث الوقائع التي أعادت SU7 إلى صدارة الجدل جاءت بعد حادث الحريق الذي لم يمر عليه وقت طويل كانت حادثًا وُصف بالغريب: سيارة كهربائية حلّقت فوق كومة ترابية كبيرة على طريق سريع في الصين.
السيارة كانت تسير مع تفعيل نظام التحكم في المسار LCC، وهو من أنظمة القيادة المساعدة التي يفترض أن تزيد مستوى الأمان وتخفف الضغط عن السائق، لكن المفاجأة أن المركبة لم تبطئ ولم تُفعّل نظام الكبح التلقائي في الطوارئ AEB قبل الاصطدام.
الحادث وقع في 13 يونيو 2026على الطريق السريع .
بعد تجاوز منعطف، ظهرت أمام السيارة كومة ترابية واضحة على المسار، ومع ذلك ظلت السيارة تتقدم لثوانٍ باتجاه العائق دون تغيير ملموس في السلوك.
رواية السائقة تشير إلى أنها لم تلاحظ العائق إلا متأخرة، ما يعزز فرضية تشتت الانتباه، بينما أظهرت المقاطع المتداولة أن التل كان ظاهرًا وأن وقت الاستجابة كان ممكنًا.
النتيجة جاءت قاسية على السيارة: انفصال المصد الأمامي وأجزاء من الرفارف الأمامية وواقيات الهيكل السفلي، مع انطلاق الوسائد الهوائية الأمامية.
ورغم ذلك، كان العنصر اللافت أن أنظمة السلامة السلبية أدت دورها: السائقة خرجت دون إصابة، ولم تظهر على البطارية علامات دخان أو حريق، وهو ما خفف من حدة السيناريو الذي كان يمكن أن يتطور لأسوأ.
الشرطة أبلغت السائقة أن هذا الجزء من الطريق لم يُفتح رسميًا أمام حركة المرور، بينما قالت إنها كانت تتبع الملاحة ولم تلاحظ لافتات تحذيرية.
وبين هذه التفاصيل، بقي السؤال الأكبر: لماذا لم يتدخل نظام الأمان النشط في اللحظة المناسبة؟

كاميرات ورادار.. وغياب LiDAR في النسخة الأساسية
التفاصيل التقنية تلعب دورًا حاسمًا في فهم ما حدث.
السيارة المتورطة في حادث “التلة” كانت Xiaomi SU7 طراز 2024 الأساسي، وهي نسخة لا تحتوي على مستشعر LiDAR مثبت على السقف.
يعتمد نظام مساعدة السائق المتقدم فيها على 11 كاميرا، و12 مستشعرًا فوق صوتي، ورادار موجات مليمترية واحد، مع شريحة Nvidia بقدرة معالجة قصوى تبلغ 84 تيرابايت/ثانية.
في المقابل، النسخ الأعلى من SU7 لعام 2024 تحصل على LiDAR من نوع AT128 مع شريحتي Nvidia Orin-X بقدرة تصل إلى 508 تيرابايت/ثانية.
هذه الفجوة ليست رقمية فقط؛ بل تتصل بقدرة المنظومة على “رؤية” العوائق والتعامل مع سيناريوهات غير مألوفة مثل كومة ترابية كبيرة على طريق سريع.
لذلك طُرحت فرضية أن النسخة المزودة بـ LiDAR ربما كانت ستكتشف العائق وتفعل AEB قبل الاصطدام، أو على الأقل ستمنح السائق تنبيهًا أكثر حدة.
كما أن شاومي أشارت لاحقًا إلى أن SU7 موديل 2026 تأتي قياسيًا بمستشعر LiDAR وشريحة Nvidia AGX Thor بقدرة 700 تيرابايت، وهو ما يوحي بأن الشركة تتجه لتعزيز “حاسة الطريق” في الأجيال التالية، في محاولة لتقليل المناطق الرمادية في إدراك العوائق.

حرائق SU7 Ultra.. والتحقيقات لا تغلق الملف
على خط موازٍ، تصاعد الحديث عن الحرائق مع واقعة اندلاع حريق في Xiaomi SU7 Ultra يوم 7 يونيو 2026 على جسر “هيرو” في مدينة نانتشانغ.
تم إخماد النيران دون إصابات، وأعلنت شاومي أنها تواصلت مع المالك وأبلغت الجهات التنظيمية.
وفي بيان رسمي لاحق، قالت إن تحليل بيانات المركبة والتحقيق الميداني أظهرا أن بطارية الطاقة الرئيسية كانت في حالة طبيعية قبل اندلاع الحريق، ولم تظهر مؤشرات على الجري الحراري.
هذا النفي لا يعني إغلاق القضية؛ فالشركة أوضحت أن الحكم النهائي مرهون بنتائج تحقيق هيئة الإطفاء، كما لم تفصح عن تفاصيل مثل سرعة المركبة أو احتمال وقوع اصطدام أو عوامل خارجية.
وبين “غياب مؤشرات الجري الحراري” و”انتظار التحقيق الرسمي”، تبقى حرائق السيارات الكهربائية موضوعًا حساسًا، ليس بسبب تكرارها فقط، بل بسبب صعوبة حسم مصدر الاشتعال بسرعة في الرأي العام.
وتزداد أهمية هذه الواقعة حين تُذكر ضمن سياق حوادث أخرى: حريق في فبراير 2026 مع إشارة أولية أيضًا إلى أن البطارية ليست بالضرورة مصدر الاشتعال، وواقعة في أكتوبر 2025 لحريق أعقب اصطدامًا عنيفًا.
تعدد السيناريوهات يجعل الملف أعقد من تفسير واحد جاهز.
نرشح لك : حريق سيارة شاومي SU7 Ultra في الصين والشركة تنفي عطل البطارية

“الركن الذكي” الذي كاد ينتهي بالغرق
قبل ضجة “التحليق”، كانت منصات التواصل قد اشتعلت بحادث آخر لا يقل إحراجًا: SU7 كادت تغرق في بركة مياه أثناء تفعيل نظام الركن الذكي.
في هذا السيناريو، أخفق النظام في التمييز بين سطح الماء اللامع والطريق الأسفلتي، فتقدمت السيارة نحو الحافة بثقة، إلى أن لامس المصد الأمامي الماء.
ما زاد وقع الحادث أن الركاب كانوا قد غادروا السيارة اعتمادًا على النظام الذاتي.
ورغم أن النظام توقف في اللحظة الأخيرة ومنع الغرق الكامل، فإن الرسالة التي وصلت للجمهور كانت واضحة: عندما يخطئ “الذكاء” في قراءة بيئة بسيطة نسبيًا، فكيف يمكن الاطمئنان إليه في بيئات أكثر تعقيدًا؟
مالك السيارة تقدم بشكوى رسمية، مطالبًا بتعويض عن الأضرار المحتملة.
أما رد شاومي فجاء حاسمًا: السائق مسؤول لأنه لم يتبع تعليمات دليل الاستخدام التي تشدد على ضرورة التحقق يدويًا من خلو المسار من العوائق قبل تفعيل النظام.
الرد، رغم منطقيته من منظور قانوني، لم يُنهِ الجدل، لأن الواقعة جاءت بعد ملف استدعاء سابق لنفس الطراز.

استدعاء يتقدم.. والشكوك تبقى
في يناير 2025، أعلنت شاومي استدعاء أكثر من 30 ألف سيارة SU7 بعد بلاغات عن سلوك غير متوقع أثناء الركن الذاتي.
وتم الإبلاغ عن المشكلة لأول مرة في نوفمبر 2024 حين لاحظ أحد العملاء أن السيارة تتصرف بشكل غير منطقي أثناء محاولة الركن.
هنا تحديدًا تتعقد الصورة: إذا كانت الشركة قد تحركت باستدعاء واسع لمعالجة الخلل، فلماذا تظهر واقعة لاحقة تشير إلى تكرار أخطاء مشابهة؟ وهل كانت المشكلة في جوهر خوارزمية الإدراك البصري، أم في سيناريوهات لم تُختبر بما يكفي، أم في حدود النظام التي لم تُشرح للمستخدمين بوضوح كافٍ؟ الأسئلة تضغط على أهم نقطة في معادلة السيارات الحديثة: البرمجيات.
حادث مميت.. والقيادة المساعدة تحت المجهر
الأكثر حساسية في “سلسلة الحوادث” كان حادثًا مميتًا لسيارة Xiaomi SU7 Standard أودى بحياة ثلاث طالبات جامعيات.
السيارة كانت تسير بسرعة 116 كم/ساعة مع تفعيل نظام NOA للقيادة المساعدة.
وفي مقطع الطريق الذي وقع فيه الحادث، كانت هناك أعمال إصلاح أدت إلى تضييق حركة المرور وتعديل المسار، وهو عنصر قد يكون لعب دورًا في تعقيد القراءة على النظام والسائق معًا.
بحسب البيانات الرسمية التي أُعلن عنها، أصدر النظام تحذيرًا قبل الاصطدام، وانخفضت السرعة إلى 97 كم/ساعة، لكن السيارة اصطدمت بـ حاجز مائي، ثم اندلع حريق بعد الحادث.
شاومي أعلنت تشكيل فريق تحقيق خاص، وقدمت بيانات السيارة للسلطات في اليوم نفسه، وأكدت أنها لم تحصل بعد على حق الوصول إلى سيارة الحادث، نافية شائعات نقلها إلى بكين.
الأهم في هذا الملف أن الشركة ذكرت أن AEB لم يُفعّل لأن نوع العائق – حاجز الماء – غير مدعوم حاليًا ضمن قدرات الكشف في النظام.
هذه الجملة وحدها تكشف جانبًا شائكًا في عالم القيادة المساعدة: ليست كل العوائق “مرئية” للآلة بالطريقة التي يتوقعها المستخدم، كما أن حدود النظام قد تكون قاتلة إن لم تُفهم جيدًا أو لم تُصمم لتكون أكثر شمولًا.
أما سبب الحريق، فما زال قيد التحقيق، مع طرح أن بدايته كانت على الأرجح من المقصورة وليس البطارية، وهو تفصيل يفتح بابًا جديدًا للتساؤلات حول مصادر الاشتعال في الحوادث العنيفة.
نرشح لك : سمعة سيارات “شاومي” تتأرجح ما بين غريق وحريق

مقابض الأبواب المخفية.. تصميم عصري أم مأزق إنقاذ؟
في حادث مأساوي آخر، توفي سائق SU7 بعد اصطدام واندلاع النيران، وسط روايات عن عجز المارة عن فتح الأبواب بسبب تصميم المقابض المخفية.
الشرطة أشارت إلى احتمال أن يكون الحادث مرتبطًا بالقيادة تحت تأثير الكحول، لكن النقاش العام انصب على زاوية أخرى: ماذا يحدث عندما تتحول “اللمسة التصميمية” إلى عائق عملي في اللحظات الحاسمة؟
الجدل لم يبقَ على مستوى النقاش الشعبي فقط.
ظهرت تحركات باتجاه تشريعات جديدة؛ إذ اقترحت وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينية قواعد تلزم الشركات بتوفير آلية فتح ميكانيكية يمكن تشغيلها من الداخل والخارج حتى في حال تعطل الكهرباء أو ارتفاع حرارة البطارية، على أن تدخل حيز التنفيذ في 2027.
الفكرة أن زمن الاعتماد الكامل على مقابض مخفية “ذكية” قد يقترب من نهايته أمام مطالب السلامة الصارمة.

التكنولوجيا وحدها لا تكفي
تكشف سلسلة حوادث شاومي SU7 عن درس بالغ القسوة في صناعة السيارات الكهربائية: الابتكار لا يُقاس بعدد الكاميرات ولا بقوة الشرائح فقط، بل بقدرة المنظومة على حماية الإنسان عندما يتفاجأ الطريق بما لا تتوقعه الخوارزميات.
من “التحليق” فوق تلة ترابية بسبب غياب الاستجابة النشطة، إلى “ركن ذكي” كاد ينتهي بالغرق، مرورًا بحوادث حريق وأسئلة حول الأبواب والمقابض، تبدو شاومي أمام اختبار مبكر ومفتوح على احتمالات عدة.
في سوق لا يرحم، قد تنجح الشركة في تحويل الأزمة إلى نقطة تطوير، عبر تحسين قدرات الإدراك، وتوسيع دعم أنظمة الأمان للعوائق المختلفة، وإعادة التفكير في تفاصيل التصميم التي تمس الإنقاذ، والأهم: التواصل بشفافية لا تكتفي بإلقاء المسؤولية على المستخدم.
لأن السيارة، في نهاية المطاف، ليست هاتفًا يمكن إعادة تشغيله إذا تعطل؛ إنها قرار ثقة يسير على الطريق بسرعة تفوق قدرة الاعتذار.





