رغم تراجع الدعم.. السيارات الكهربائية تسيطر على الصين بـ62.9% في مايو 2026

تواصل الصين إعادة تشكيل خريطة صناعة السيارات عالميًا، وهذه المرة عبر رقم يعكس سرعة التحول من محركات الاحتراق الداخلي إلى سيارات الطاقة الجديدة.
ففي مايو 2026، استحوذت السيارات الكهربائية—بمفهومها الواسع الذي يشمل الكهربائية بالكامل والهجينة القابلة للشحن وذات المدى الممتد—على 62.9% من حصة سوق مبيعات التجزئة في الصين، في مستوى يُعد قياسيًا، ويأتي رغم إلغاء الدعم الحكومي.
اللافت أن هذا الإنجاز لم يتحقق فقط بدفع نمو قوي في مبيعات سيارات الطاقة الجديدة، بل أيضًا نتيجة تراجع حاد في مبيعات سيارات محركات الاحتراق الداخلي، ما أفسح المجال لهيمنة واضحة لسيارات الطاقة الجديدة حتى على قائمة الطرازات الأكثر مبيعًا.

أرقام السوق في مايو 2026: انخفاض سنوي قوي وارتفاع شهري
بحسب بيانات جمعية سيارات الركاب الصينية (CPCA)، سجلت السوق الصينية في مايو 2026 مبيعات تجزئة بلغت 1.51 مليون سيارة.
وتشير البيانات الرسمية إلى اتجاهين متعاكسين في القراءة الإحصائية للشهر:
- انخفاض سنوي بنسبة 22.1% مقارنةً بمايو من العام السابق.
- ارتفاع شهري بنسبة 9.2% مقارنةً بأبريل 2026.
وعلى مستوى الأشهر الخمسة الأولى من العام، بلغ إجمالي مبيعات التجزئة خلال الفترة من يناير إلى مايو 7.099 مليون وحدة، مسجلًا انخفاضًا قدره 19.5% على أساس سنوي، ما يؤكد أن السوق يمر بمرحلة ضغط وتباطؤ في الإجمالي، لكن مع تغير واضح في طبيعة الطلب واتجاهاته.
الانخفاض الكبير لم يأتِ من الكهرباء… بل من محركات الاحتراق الداخلي
توضح أرقام مايو أن سبب الهبوط السنوي لا يرتبط أساسًا بتراجع اهتمام المستهلكين بالسيارات الكهربائية، بل بالعكس: الضربة الأكبر جاءت من سيارات محركات الاحتراق الداخلي.
فقد هبطت حصة سيارات الاحتراق الداخلي في السوق إلى 37.1% فقط، مع بيع نحو 560 ألف سيارة تعمل بالبنزين/الديزل.
والأهم أن هذه الفئة وحدها مسؤولة عن 82% من إجمالي الانخفاض السنوي، ما يعني أن السوق لا يتباطأ “بشكل متساوٍ”، بل يعيد توزيع الطلب بصورة حادة لصالح سيارات الطاقة الجديدة.
وبحسب البيانات الرسمية، تسارع هذا التحول بفعل تقلبات أسعار النفط، وهو عامل يعيد دفع المستهلكين نحو بدائل أقل حساسية لسعر الوقود وأكثر جدوى تشغيلية على المدى الطويل—خصوصًا في سوق بحجم الصين وتنافسية عروضه.

ماذا تعني حصة 62.9%؟ وما الذي يدخل ضمن “السيارات الكهربائية” في الإحصاء؟
عندما تقول البيانات إن معدل انتشار السيارات الكهربائية بلغ 62.9%، فهي لا تتحدث فقط عن السيارات الكهربائية التي تعمل بالبطاريات (BEV)، بل تشمل أيضًا:
- السيارات الكهربائية بالبطارية (BEV)
- السيارات الهجينة القابلة للشحن (PHEV)
- السيارات ذات المدى الممتد (EREV)
هذا التعريف الواسع مهم لأنه يشرح كيف أصبحت “سيارات الطاقة الجديدة” هي التيار الرئيسي في السوق الصيني، لا مجرد شريحة موازية.
وفي الوقت نفسه، يعكس تنوع الخيارات أمام المستهلك بين كهرباء خالصة وحلول انتقالية مثل PHEV وEREV.
الفئة الفاخرة تقاوم التباطؤ: سوق كهربائي قوي رغم انخفاض الإجمالي
على الرغم من تراجع المبيعات المحلية الإجمالية، تشير الأرقام إلى أن سوق السيارات الكهربائية الفاخرة في الصين ما يزال يحتفظ بزخم ملحوظ.
وتقدم البيانات أمثلة واضحة خلال مايو:
- مبيعات Volkswagen ID. Era 9X بلغت 5004 وحدات.
- شركة Nio سلّمت 11472 وحدة من طراز ES8.
- شركة Zeekr المملوكة لـ Geely سلّمت 9058 وحدة من طراز 9X (كروس أوفر) لمالكيها.
وتعكس هذه الأرقام أن الطلب في الشرائح الأعلى—حيث التقنية والرفاهية والهوية العلامية—لا يزال قويًا، حتى عندما يتراجع إجمالي السوق، وهو سلوك يتكرر غالبًا في الأسواق الكبرى عندما تبدأ المنافسة في الانتقال من “تبني الفكرة” إلى “اختيار العلامة والطراز”.

المشاريع المشتركة تغيّر محركاتها: الكهرباء تقود النمو داخل الشراكات العالمية
تؤكد البيانات الرسمية كذلك أن السيارات الكهربائية أصبحت محرك نمو رئيسيًا داخل المشاريع المشتركة بين الشركات العالمية والمصنعين الصينيين، مثل:
- SAIC-Volkswagen
- GAC-Toyota
- BMW-Brilliance
وبحسب CPCA:
- ارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية داخل هذه المشاريع المشتركة بنسبة 51% على أساس سنوي.
- في المقابل، انخفضت مبيعات سيارات البنزين بنسبة 41%.
هذه المقارنة المباشرة ترسم اتجاهًا لا يقبل التأويل: حتى العلامات العالمية التي بنت تاريخها في الصين عبر سيارات البنزين، باتت ترى أن استمرارها ونموها يرتبطان بقدرتها على تقديم منتجات كهربائية تنافس محليًا من حيث السعر والمواصفات وسرعة التطوير.
الصادرات تتحول إلى أولوية: رقم قياسي لصادرات سيارات الطاقة الجديدة
في ظل الضغوط التي يشهدها السوق المحلي، تتجه شركات صناعة السيارات الصينية إلى مسار واضح: زيادة الاعتماد على التصدير بوصفه رافعة نمو جديدة.
وتُظهر بيانات جمعية صناعة السيارات الصينية أن حجم صادرات سيارات الطاقة الجديدة بلغ 54% وهو مستوى قياسي، ما يعني أن نسبة كبيرة من نمو القطاع باتت مرتبطة بالأسواق الخارجية وليس السوق المحلي وحده.

BYD تسجل قفزة خارجية: 160,644 سيارة تمثل 42% من مبيعاتها
ضمن سباق التوسع عالميًا، سجلت BYD رقمًا قياسيًا في المبيعات الخارجية خلال مايو، إذ باعت خارج الصين 160,644 وحدة وفق البيانات الرسمية .
هذا الرقم لا يمثل “هامشًا” من نشاط الشركة، بل يشكل 42% من إجمالي مبيعاتها البالغة 382,476 سيارة خلال الشهر نفسه—وهي نسبة تعكس تحول BYD من شركة قوية محليًا إلى لاعب يعتمد على الأسواق الخارجية كمكوّن أساسي في نموه الشهري.
نرشح لك : BYD تحقق مبيعات قياسية في مايو تقترب من 377 ألف سيارة
Chery تتفوق في الاعتماد على الخارج: 181,871 وحدة و73.39% من الإجمالي
أما Chery فكانت صورتها أكثر وضوحًا من زاوية الاعتماد على التصدير، إذ سجلت مبيعات خارج الصين بلغت 181,871 وحدة، وهو رقم قياسي أيضًا، ويمثل 73.39% من إجمالي مبيعاتها.
هذه النسبة تشير إلى أن الشركة باتت تُدار استراتيجيًا بعقلية “التوسع العالمي أولًا”، وتضع الأسواق الخارجية في صدارة أولوياتها لمعادلة ضغوط المنافسة والتسعير داخل الصين.

الصين تدخل مرحلة “التيار الرئيسي الكهربائي” وتدفع صادراتها للواجهة
توضح بيانات مايو 2026 أن السوق الصيني لم يعد يسير نحو الكهرباء بخطوات تدريجية، بل انتقل فعليًا إلى مرحلة الهيمنة: حصة 62.9% لسيارات الطاقة الجديدة مقابل 37.1% فقط لسيارات الاحتراق الداخلي.
وبينما تراجع إجمالي السوق سنويًا، كان السبب الأكبر هو الهبوط الحاد في مبيعات سيارات البنزين والديزل، في وقت حافظت فيه الشرائح الكهربائية—بما فيها الفاخرة—على قوة واضحة.
وفي موازاة التحول المحلي، تتقدم استراتيجية أخرى لا تقل أهمية: التصدير، مع أرقام قياسية للصادرات ونسب لافتة لدى شركات مثل BYD وChery.
وبذلك، لا يبدو أن قصة السيارات الكهربائية في الصين هي مجرد قصة “سوق داخلي ضخم”، بل قصة منظومة تصنيعية وتجارية تتجه بثقلها إلى العالم، وتفرض إيقاعًا جديدًا على الصناعة بأكملها.





