في مشهد يعكس حدة التنافس المحتدم داخل سوق السيارات الكهربائية الصينية، أطلقت شركة “جيلي” للسيارات صاروخها التقني الأحدث في وجه منافستها اللدودة “BYD”؛ إذ كشفت عن منظومة شحن مبتكرة تُعيد تعريف ما يمكن للتكنولوجيا تحقيقه في هذا المجال، وذلك بتحقيقها أعلى سرعة شحن في تاريخ صناعة السيارات الكهربائية في مرحلة الإنتاج الفعلي.

الحرب لم تعد في الأسعار فحسب، بل باتت تُخاض على أرض الابتكار والذكاء الاصطناعي والثواني المقتطعة من زمن الشحن.

إطلاق تاريخي من نينغبو

في مدينة نينغبو الصينية يوم الأربعاء الموافق الثالث والعشرين من سبتمبر 2026، رفعت “جيلي” الستار عن حزمة تقنية متكاملة، شملت الجيل التالي من بطاريات السيارات الكهربائية، وتقنية الشحن الذكي من الجيل الخامس، فضلاً عن الإصدار المحدَّث من سيارتها الرياضية الكهربائية الخالصة “جالاكسي إي 5″، وكل ذلك في خضم ظروف ضاغطة تتمثل في تراجع مبيعات السيارات الكهربائية في السوق الصينية على مدى أحد عشر شهراً متتالية حتى نهاية أغسطس الماضي.

اقرأ أيضًا: أول صالة عرض لـ«GEELY RIDDARA» في مصر.. انطلاقة جديدة للبيك أب الكهربائي

شعار جيلي البارز على جدار أبيض بزاوية جانبية

بطارية شيندن الذهبية.. قفزة نحو المستحيل

في صميم هذا الإطلاق التقني تبرز بطارية “شيندن الذهبية”، وهي بطارية من الجيل الجديد صُمِّمت خصيصاً للشحن الفائق السرعة والأداء العالي، وتدعم معدل شحن بلغ ذروته 12C.

وفي اختبارات عملية واقعية أُجريت على سيارتَي “لينك آند كو 10″ و”زيكر 001” المجهزتَين بهذه البطارية، تمكّن الفريق من رفع مستوى الشحن من 10% إلى 70% في أربع دقائق وثلاثين ثانية فحسب، ومن 10% إلى 97% في ثماني دقائق وأربعين ثانية، وهو ما يُرسّخها بوصفها أسرع تقنية شحن متاحة للإنتاج الضخم في العالم حتى اللحظة.

وللوضع في سياقه المقارن، فإن بطارية “BYD” من الجيل الثاني المقترنة بمحطات الشحن الخاطف التي أطلقتها في مارس الماضي، تستغرق خمس دقائق كاملة للوصول من 10% إلى 70%، وتسع دقائق للوصول إلى 97% في درجات الحرارة الطبيعية.

وتجدر الإشارة إلى أن شركة “هونشي” كشفت في يوليو عن اختبار بلغ فيه زمن الشحن من 10% إلى 70% ثلاث دقائق وإحدى وأربعين ثانية فقط، غير أنها لم تُحدد بعد جدولاً زمنياً للإنتاج الفعلي.

محطة الشحن من الجيل الخامس.. قوة غير مسبوقة

أعلنت “جيلي” عن محطة الشحن الذكية من الجيل الخامس التي تُقدّم قدرة شحن قصوى تبلغ 2,250 كيلوواط، متجاوزةً بذلك محطات الشحن الخاطف التي طرحتها “BYD” في مارس بطاقة قصوى بلغت 1,500 كيلوواط لبندقية شحن واحدة، والتي كانت تُعدّ حينها الأعلى على مستوى الإنتاج الضخم عالمياً.

وتعتمد منظومة الشحن الجديدة على بنية تحتية بقدرة 2.2 ميجاواط، مما يُتيح ما يصفه المهندسون بـ”الشحن الرياضي” في ظروف بيئية طبيعية.

نرشح لك: BYD تستعد لطرح تقنية الشحن السريع في أوروبا.. 5 دقائق للشحن و9 للامتلاء

دينزا Z9 GT خضراء من الأمام بجوار محطتي شحن سريع وخلفها جبال مغطاة بالثلوج

الذكاء الاصطناعي في قلب المعادلة

لا تقتصر ثورة “جيلي” على الأرقام والسرعة، بل يمتد ابتكارها إلى الطبقة الأعمق من التكنولوجيا؛ إذ يقع في قلب هذا النظام نموذج ذكاء اصطناعي متقدم يحمل اسم “شينغروي باور مايند”، طُوِّر بالتعاون مع الشركة الناشئة الصينية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي “ستيب فن”.

يعمل هذا النموذج كمنسق ذكي يجمع بين السيارة والبطارية ومحطة الشحن والسحابة الإلكترونية والشبكة الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة، لصياغة استراتيجية شحن مخصصة لكل مركبة على حدة.

ويتميز النظام بقدرته على التنبؤ بدرجات حرارة البطارية قبل ثلاثين ثانية من حدوثها، وضبط قدرة الشحن ديناميكياً بهدف الإبقاء على متوسط حرارة البطارية دون 55 درجة مئوية خلال الشحن وذروتها دون 65 درجة مئوية، وهو ما يُسهم بشكل جوهري في الحد من مخاطر السخونة الزائدة التي تُهدد سلامة البطاريات.

وفي السياق ذاته، أكد مسؤول “جيلي” التنفيذي، تشانغ ديوانغ، في تصريحات صحفية خلال حفل الإطلاق، أن “سرعات الشحن الحالية باتت تقترب من حدودها الفيزيائية، وأن المكاسب الإضافية من تسريع الشحن أكثر في المستقبل ستتضاءل تدريجياً”، مشيراً إلى أن المنافسة ستنتقل إلى ميادين أخرى كالاستدامة والذكاء والسلامة.

سيارة جيلي كهربائية بيضاء وسط الحضور خلال حفل إطلاق بإضاءة خضراء

تبريد شامل وحماية مضاعفة

لمواجهة التحديات الحرارية الجسيمة الناجمة عن هذه المستويات القياسية من الشحن السريع، طوّرت “جيلي” نظام تبريد سائلاً متكاملاً من خمس نقاط يغطي سلسلة الشحن بأكملها؛ بدءاً من بطارية تخزين الطاقة في المحطة، ومروراً بالكابل ومنفذ الشحن، وانتهاءً ببطارية السيارة ذاتها، وهو ما وصفته الشركة بأنه سابقة غير مسبوقة على مستوى الصناعة.

وفي خطوة تعالج مخاوف المستخدمين المتعلقة بتأثير الشحن السريع على عمر البطارية، ابتكرت “جيلي” تقنية “الاستعادة النبضية لأيونات الليثيوم”، التي تستخدم تيارات نبضية دقيقة لإعادة تنشيط أيونات الليثيوم المتراكمة على القطب السالب للبطارية.

وبالتزامن مع إدارة الشحن المدعومة بالذكاء الاصطناعي، قالت الشركة إن هذه التقنية قادرة على تمديد دورة حياة البطارية بنسبة تصل إلى 20%.

اقرأ أيضًا: جيلي EX2 تحقق 5 نجوم في اختبارات ANCAP للسلامة

حلول للفئات الاقتصادية أيضاً

لم تنسَ “جيلي” الشريحة السوقية الأوسع؛ إذ كشفت عن بطارية “ألترا شورت بليد” من الجيل التالي، المصممة للسيارات ذات الأسعار المعقولة.

وتعتمد هذه البطارية على تقنية اللحام بالليزر التي طوّرتها الشركة داخلياً، مما يُقلّص الحرارة المتولدة أثناء الشحن بنسبة 10%، مع رفع معدل الشحن الأقصى إلى 6C، مُتيحةً بذلك تجربة شحن سريعة لقطاعات أوسع من المستهلكين.

جيلي جالاكسي EX2.. أرخص سيارة كهربائية في مصر خلال 2026

معركة البنية التحتية الشرسة مع BYD

على الجانب الآخر من المعركة، لا تتوقف “BYD” عن مراكمة إنجازاتها في الميدان؛ فقد أعلنت الشركة أنها ستفتتح محطة الشحن الخاطف السريع رقم 2,000 على الطرق السريعة الصينية في الرابع والعشرين من سبتمبر الجاري، وبحلول الثامن والعشرين من أغسطس كانت قد شيّدت بالفعل عشرة آلاف محطة شحن خاطف، مع تأكيد هدفها بالوصول إلى عشرين ألف محطة قبل نهاية العام.

وقد كشف بنك دويتشه، استناداً إلى اجتماع مع إدارة “BYD”، أن الشركة تعتزم الوصول إلى تسعين ألف محطة بحلول عام 2028.

ولا تقف المنافسة عند هذا الحد؛ إذ كشف مصنّع البطاريات “صنوودا” الأسبوع الماضي عن حل بطارية شحن خاطف يُضاهي مؤشرات “بيد” التقنية، مع خطط لإنشاء عشرة آلاف محطة شحن بمستوى الميغاواط بنهاية عام 2027.

وفي قراءة استشرافية للمشهد، أشار تشانغ من “جيلي” إلى أن منظومة الشحن العامة ستتشكّل مستقبلاً على غرار محطات الوقود التقليدية بتنوع علاماتها التجارية، مؤكداً أن التطوير المشترك للبنية التحتية سيُعجّل بالانتشار العالمي لشبكات الشحن السريع.

جيلي تتحدى BYD بشحن فائق السرعة في 4 دقائق

ما تشهده صناعة السيارات الكهربائية الصينية اليوم ليس مجرد سباق تنافسي عادي، بل هو معركة تقنية وجودية تتشكّل ملامح الصناعة من خلالها للعقود القادمة. “جيلي” برسالتها في نينغبو لم تردّ على “BYD” وحسب، بل أعلنت للعالم أن عصر انتظار السيارة أثناء الشحن يوشك على الأفول.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي ليكون شريكاً في إدارة كل بطارية وكل محطة وكل ثانية شحن، يبدو جلياً أن الفائز الأكبر في هذه المعركة هو في نهاية المطاف المستهلك، الذي سيجد يوماً ما أن شحن سيارته الكهربائية لا يختلف عن ملء خزان الوقود — أو ربما أسرع.